الجصاص

421

أحكام القرآن

[ الفرقان : 48 ] ومعناه : مطهرا ، فحيثما وجد فواجب أن يكون مطهرا . ولو شرطنا فيه النية كنا قد سلبناه الصفة التي وصفه الله بها من كونه طهورا ، لأنه حينئذ لا يكون طهورا إلا بغيره ، والله تعالى جعله طهورا من غير شرط معنى آخر فيه . فإن قيل : إيجاب شرط النية فيه لا يخرجه من أن يكون طهورا كما وصفه الله تعالى ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " ، وقال : " التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء " ولم يمنع ذلك إيجاب النية شرطا فيه . قيل له : إنما سماه طهورا على وجه المجاز تشبيها له بالماء في باب إباحة الصلاة ، والدليل عليه أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس ، فعلمنا أنه سماه طهورا استعارة ومجازا . ومن جهة أخرى أن إثبات النية شرطا في التيمم جائز مع قوله : " التراب طهور المسلم " ولا يجوز مثله في الوضوء ، وذلك لأن قوله : ( فتيمموا ) يقتضي إيجاب النية ، إذ كان التيمم هو القصد في اللغة ، وقوله : " التراب طهور المسلم " وارد من طريق الآحاد ، فواجب أن يكون الخبر مرتبا على الآية ، إذ غير جائز ترك حكم الآية بالخبر وتجوز الزيادة في حكم الخبر بالآية ، وليس ذلك كقوله : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) [ الفرقان : 48 ] لأنه غير جائز أن يزاد في نص القرآن إلا بمثل ما يجوز به نسخه . ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى : ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) [ الأنفال : 11 ] فأبان الله تعالى عن وقوع التطهير بالماء من غير شرط النية فيه . فإن قيل : لما كان قوله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) الآية ، مقتضيا لفرض الطهارة ، فمن حيث كان فرضا وجب أن تكون النية شرطا في صحته لاستحالة وقوع الفعل موقع الفرض إلا بالنية ، وذلك لأن الفرض يحتاج في صحة وقوعه إلى نيتين إحداهما نية التقرب به إلى الله تعالى والأخرى نية الفرض ، فإذا لم ينوه لم توجد صحة الفرض ، فلم يجز عن الفرض إذ هو غير فاعل للمأمور به . قيل له : إنما يجب ما ذكرت في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا لغيرها ، فأما ما كان شرطا لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا بدلالة تقارنه ، فلما جعل الله الطهارة شرطا لصحة الصلاة ولم تكن مفروضة لنفسها ، لأن من لا صلاة عليه فليس عليه فرض الطهارة كالمريض المغمى عليه أياما وكالحائض والنفساء ، وقال تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) وقال : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) [ النساء : 43 ] فجعله شرطا في غيره ولم يجعله مأمورا به لنفسه ، فاحتاج موجب النية شرطا فيه إلى دلالة من غيره ، ألا ترى أن كثيرا مما هو شرط في الفرض وليس بمفروض بعينه فجائز أن يكون من فعل غيره نحو الوقت الذي هو شرط في صحة أداء الصلاة ولا صنع